فخر الدين الرازي

313

القضاء والقدر

وآب مضلّوه بعين جليّة * وغودر بالجولان حزم ونائل وقال تعالى : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ « 1 » ؟ أي صرنا مدفونين في الأرض وخفيت أشخاصنا . والتأويل السادس : حمل الإضلال على الإضلال عن طريق الجنة . قالت المعتزلة : وهذه في الحقيقة ليست تأويلا ، بل حملا للفظ على ظاهره . فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم ، وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم ؟ فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة . ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائين « 2 » . قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ : أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ . فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ، وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ « 3 » أي يضله عن طريق الجنة . والتأويل السابع : أن تحمل الهمزة في لفظ الإضلال على التعدية ، بل على الوجدان . قال عمرو بن معدي كرب ، لبني سليم : « قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم » : أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين . ويقال : أتيت أرض قوم فأعمرتها ، أي وجدتها عامرة . والجواب : أما قوله : « الدلائل العقلية دلت على أنه لا يجوز أن يخلق اللّه الكفر في العبد » قلنا : الدلائل العقلية التي يذكرونها لا تزيد على فعل المدح والذّم . وذلك مبني على الحسن والقبح العقليين . وسنبين أن هذه القاعدة في غاية الضعف . أما دليلنا العقلي « 4 » : فإن ميل القلب إلى

--> خرم ( بالخاء ) . وهو من قصيدة مطلعها ( دعاك الهول واستجهلتك المنازل ) . ( 1 ) سورة السجدة الآية 10 . ( 2 ) أي اختيار أبي علي وأبي هاشم الجبائي . ( 3 ) سورة الحج الآية 4 . ( 4 ) يبدو كما سبق وألمحنا إلى أن الرازي قد ألف في مسألة التحسين والتقبيح في كتابه « المطالب العالية » بعد جزئه في القدر . وربما كان هذا الترتيب الآن في الطبعة الجديدة بتحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا بحاجة إلى إعادة النظر . أو ربما كتبه الرازي قبله ثم وضعه بعده فيما بعده . . وخلاصة رأيه في تحسين العقل وتقبيحه أن ذلك بالنسبة إلى العباد معتبر وأما بالنسبة إلى اللّه تعالى فمحال . ويدل على الثاني وجوه : الحجة الأولى : إن الذين عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعا أو مؤديا إليه . والذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضررا أو مؤديا إليه والرغبة في المنفعة والرهبة عن المضرة إنما يعقل حصولهما في حق من يصح عليه النفع والضرر . وهو في حق اللّه تعالى محال . الحجة الثانية : إنه لو صح القول بالقبح العقلي لم يكن اللّه منعما على أحد من عبيده - وهذا باطل فذاك باطل . بيان الملازمة : أن النعمة إنما تكون نعمة في حق من يكون محتاجا إليها متهيئا إليها . لأن من لا يكون كذلك لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه نعمة في حقه . إلا أن الحاجة إليه والشهوة به مضرة فيثبت أن إيصال النعمة إليه لا يمكن إلا إذا كان مسبوقا بإيصال ضرر يساويه إليه . ومتى كان الأمر كذلك صارت هذه النعمة حاصلة دافعة لذلك الضرر السالف . . .